من التصميم الداخلي إلى الاقتصاد الدائري: تجربة مستدامة في قلب فيينا

“No, we’re not trying to change the whole world. But our little piece of it? Definitely.”
“نحن لا نحاول تغيير كل العالم.ولكن قطعتنا الصغيرة منه؟ بالطبع!”

 

في كل مرة أسافر فيها، أحرص على اختيار فندقٍ صديقٍ للبيئة قدر الإمكان. قد يعني ذلك أن يعمل الفندق على تقليل النفايات أو إعادة تدويرها، أو الاستغناء عن المنتجات ذات الاستخدام الواحد، وهي بلا شك ممارسات إيجابية، لكنها لا تكفي وحدها لتجعل الفندق مستدامًا بحق.

مؤخرًا، حظيتُ بتجربة حقيقية لفندقٍ يطبّق الاستدامة بصدق خلال إقامتي في فندق Henriette Stadthotel في مدينة فيينا، حيث كانت التجربة استثنائية ليس فقط من حيث الراحة والرفاهية، بل أيضًا في مستوى الاهتمام الصادق بالنزلاء وبالبيئة معًا. كل عنصرٍ في الفندق، وكل تفصيلةٍ في تصميمه، كانت مدروسة بعناية لتحسين تجربة الضيف وتقليل الأثر البيئي. في هذا المقال أشارككم لمحة عن بعض الجوانب الجميلة في هذا الفندق المميّز من خلال حديثي مع مديرة التسويق التي رحبت بفكرة المقال وبحثي الخاص.

 

الاستدامة في الفندق كفلسفة شاملة

يُعتبر فندق Henriette Stadthotel الأول من نوعه من في فيينا الذي يتبنى نموذج “الاقتصاد من أجل الخير العام” (Economy for the Common Good)، وهو نموذج اقتصادي يوازن بين الربحية والمسؤولية الاجتماعية، ويهدف إلى تعزيز العيش بعافية لجميع الأطراف من موظفين وزوار ومجتمع محلي، كما هو حاصل على العلامة البيئية النمساوية(ecolabel)وهي الجائزة الرسمية للدولة للشركات الصديقة للبيئة. إضافة إلى ذلك فهو حاصل على علامة الاتحاد الأوروبي البيئية ( Eu ecolabel) وتراعي هذه العلامة دورة حياة المنتج أو الخدمة مع التركيز على الآثار البيئية، مثل استهلاك الموارد. يمثل الفندق مستقبل الضيافة في النمسا، كأحد أوائل أماكن الإقامة التي تجسّد مفهوم المعيشة الدائرية: حياةٌ صحية قائمة على مبادئ الاقتصاد الدائري والاستدامة الحقيقية.

 

عن المبنى
كان المبنى في الأصل مبنى شقق سكنية، وبعد شرائه قرر المالكون تحويله إلى فندق عائلي في عام 1996. أما فندق Henriette بصورته الحالية فقد أُنشئ عام 2021، وهو اليوم يُدار من قِبل أبناء المالكين، ليبقى فندقًا عائليًا تحت إدارة الجيل الثاني.

 

التصميم الداخلي: القصة قبل الشكل 

   

 

تولّى تصميم المساحات الداخلية المصمم يورغن كالخر (Jürgen Kalcher) من شركة Josef Göbel – Bespoke Furnishing، حيث صُممت الغرف، والمناطق العامة، والبار وفق رؤية واضحة تجمع بين الراحة، والألوان الحيوية، والأصالة، مع التركيز على العيش الصحي والاقتصاد الدائري. وقد تم إعطاء أولوية واضحة للتعاون مع المصممين والحرفيين المحليين، فجميع المصمم الداخلي والحرفيين ينتمون إلى إقليم شتايرمارك شرق النمسا، بينما صُنعت العناصر المختلفة في دول أوروبية قريبة مثل النمسا وسلوفينيا وألمانيا وإسبانيا واليونان.

 

أما القصة التي شكّلت نقطة التحوّل لاختيار التصميم المستدام، فبدأت بتجربة تجديد غرفة لم تكن موفقة، أدت إلى روائح خانقة بسبب المواد المستخدمة. هذه التجربة دفعت مالكي الفندق، فيرينا براندتنر-باستوشين وجورغ باستوشين، إلى البحث الجاد عن بدائل صحية ومستدامة. ومع آخر تجديد شامل، كان الهدف توفير بيئة داخلية نظيفة وآمنة، تضمن للنزيل نومًا مريحًا وتجربة إقامة خالية من أي مؤثرات سلبية، ليكون الفندق بمثابة “قاعدة منزلية” دافئة في قلب فيينا.

 

يعتمد الفندق في تصميمه على الطابع الخالد (Timeless Design) بدلًا من اتباع موضات قابلة للتغير ما يسهّل عملية التجديد دون فقدان هوية المكان أو توليد نفايات غير ضرورية. عند الحاجة لتجديد أي غرفة مثلا، يتم أولًا تقييم العناصر بعناية: ما الذي يجب استبداله، وما الذي يمكن الإبقاء عليه، وما الذي يمكن إعادة توظيفه في مكان آخر داخل الفندق. أما القطع التي لم تعد مناسبة للمفهوم، فيتم إهداؤها للموظفين، أو بيعها عبر منصات البيع المستعمل، أو التبرع بها للجمعيات الخيرية.

 

ومع اعتماد مفهوم Circular Living Rooms أصبح هذا النهج أسهل وأكثر مرونة؛ فخزائن الملابس على سبيل المثال صُممت بنظام ألمنيوم قابل للفك وإعادة التركيب، والمرايا لم تعد ملصقة بالجدران بل مُعلّقة بطريقة تقليدية، كما صُممت الأسرة بحيث يمكن تغيير لوح الرأس فقط لمنح الغرفة مظهرًا جديدًا دون الحاجة لاستبدال السرير كاملًا.

مع كل هذه الأهداف فإن التصميم الداخلي غني بالخامات والألوان الحيوية مثل الأخضر الداكن والعنابي، مع حضور كثيف للنباتات الطبيعية. أما غرف النوم، فتميل إلى الهدوء والبساطة، مع اعتماد ثيم خاص لكل غرفة. الغرفة التي أقمتُ فيها مثلًا كانت تحمل اسم Museum Quarter. وبحكم أن المبنى كان سابقًا شققًا سكنية، تتراوح مساحات الغرف بين 25 و52 مترًا مربعًا، وهي مساحة كبيرة نسبيًا لغرفة فندقية في أوروبا. كما يولي الفندق اهتمامًا واضحًا بالعائلات، مع توفير مستلزمات الأطفال بكل عناية وبطريقة مبهرة.

 

جودة الهواء

 

من أولى التفاصيل التي لفتت انتباهي في الفندق هو اهتمامه البالغ بجودة الهواء الداخلي. حيث يتم الاعتماد على البخار الجزيئي في التنظيف، وهي طريقة صديقة للبيئة تمامًا، مع استخدام مواد خالية من الكيماويات الضارة كما يُمنع التدخين تمامًا في جميع المناطق الداخلية، ويُسمح به فقط في الشرفات البعيدة عن المداخل حفاظًا على نقاء الهواء.

المفروشات والمواد الطبيعية

تُصنع ملاءات السرير والمفروشات من مواد طبيعية بالكامل مثل لحاء الذرة والمطاط الطبيعي، دون أي شبكات معدنية أو أقمشة صناعية. هذه الخامات تمنح راحة عالية للنوم وتضمن خلوها من البلاستيكات الدقيقة. والأجمل أن جميعها تأتي من مصنّعين محليين قريبين من الفندق، دعمًا للاقتصاد المحلي وتقليلًا لانبعاثات النقل.

 

تشطيبات الجدران

في التفاصيل المعمارية، تُستخدم دهانات معدنية خاصة خالية من المذيبات والمواد البلاستيكية، وتحمل شهادة “Cradle to Cradle Silver”، وهي شهادة بيئية تضمن إمكانية إعادة التدوير دون الإضرار بالبيئة.

 

الطاقة، المياه، والانبعاثات

 

يعتمد الفندق منذ أكثر من عشر سنوات على مضخة حرارية هوائية للتدفئة، والتبريد، وتسخين المياه، دون أي اعتماد على الوقود الأحفوري. كما يتم تشغيل الفندق بالكامل باستخدام كهرباء من مصادر طاقة خضراء معتمدة، مع توفير محطات شحن كهربائية للسيارات والدراجات.يتم مراقبة استهلاك المياه بدقة عبر عدادات خاصة، وتُستخدم حنفيات ورشاشات تضخ الهواء داخل الماء لتقليل الاستهلاك بنسبة كبيرة وكل ذلك دون التأثير على راحة النزيل.
أما النفايات فيتم فرزها بعناية،خصوصًا بما أن رسوم جمع النفايات تُحسب حسب عدد الحاويات، فإن تقليلها أصبح هدفًا بيئيًا واقتصاديًا في آنٍ واحد.
ونتيجة لهذه الجهود، كانت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل نزيل ولكل ليلة إقامة أقل بنسبة 90٪ من متوسط القطاع قبل أربع سنوات، ومن المتوقع أن تكون اليوم أقل من ذلك.

 

الموردون والتجارة العادلة

يحرص الفندق على اختيار موردين يلتزمون بمعايير الاستدامة والتجارة العادلة، مع التركيز على الشهادات البيئية ومكان الإنتاج. فجميع مستلزمات النظافة المقدمة للنزلاء تتبع مبدأ التجارة العادلة، مع إعطاء أولوية واضحة للإنتاج المحلي.

 

تكاليف التشغيل
كنت أتساءل عن تكلفة هذه الخيارات والبدائل المستدامة، خاصة أن بعضها قد يبدو مكلفًا. عند سؤالي لمديرة التسويق، أوضحت أن الفندق يعتمد على شراكات ذكية مع شركات تشاركهم القيم نفسها. ومن الأمثلة الجميلة على ذلك أرضيات الباركيه، التي تم الحصول عليها من مبنى مكتبي عمره أكثر من 100 عام، ضمن مشروع التعدين الحضري في فيينا، في مثال رائع لإعادة الاستخدام وتقليل الهدر.

 

تفاصيل صغيرة تصنع الفرق

يسوّق الفندق لنفسه بهدوء بعيدًا عن الشعارات الصاخبة. بطاقة ترحيب دافئة في الغرفة وبطاقات أخرى موزعة تشرح جهود الفندق البيئية في كل زاوية، أما بوفية الإفطار يُحضّر بالكامل في مطبخ الفندق باستخدام مكونات عضوية ومحلية وعادلة، تناسب جميع الأذواق والحميات الغذائية. وعند تسجيل الخروج تحصل على كيس صغير من الحلوى مع خصم 5٪ للزيارة القادمة أو عند إحالة صديق.

 

انطباعي عن الفندق
تجربتي في فندق هنرييت أكدت لي أن بإمكان التصميم الناجح أن يجمع بين الجمال والوظيفة والاستدامة دون أي تناقض. وأن الفراغ الذي يراعي الإنسان و جودة البيئة الداخلية والعناصر الطبيعية كلها تنعكس مباشرة على راحة المستخدم وصحته النفسية.
ولا يمكن إغفال الجانب الإنساني حتى في أجمل القصور؛ فتعامل الموظفين و بساطة المالك وترحيبهم الحقيقي بي وبعائلتي جعلت التجربة سعيدة ومؤثرة حقًا، وزادت رغبتي في العودة مرة أخرى. 

 

إذا كنت مهتمًا بتجربة فندقية مستدامة ومختلفة، أترك لك رابط الفندق، إضافة إلى رابط للبحث عن فنادق مستدامة في وجهات أخرى:
https://www.hotelhenriette.at/en/

وإذا سبق لك الإقامة في فنادق تتبع النهج نفسه، يسعدني أن تشاركني بها في التعليقات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *