قبل ثلاث سنوات، كنت أمر يوميًا عبر مجمّع كبير في لندن في طريقي إلى محطة القطار. وعلى مدار السنة كانت الواجهات تتبدّل بسرعة لافتة: موسم للكريسماس يمتد شهرين أو ثلاثة، ثم عيد الحب مع بداية فبراير، ثم عيد الفصح، وربما عروض الإجازات ودخول فصل الصيف، وكأن السنة في عين التجار ليست إلا سلسلة مواسم للبيع لا تهدأ.
كنت أضحك وأنا أرى هذا التبدّل السريع؛ فالتجّار يحاولون بشتى الطرق بيع منتجاتهم علينا، وهدفهم بالطبع هو إغراءنا كمشترين كي نشتري بلا سبب أو لأي سبب وبدون تفكير. تصبح الحاجة قابلة للتصنيع، وتتحول المناسبة إلى بوابة واسعة لإعادة تعريف ما “ينقصنا”، حتى لو كان ما ينقصنا في الحقيقة هو الوقت والهدوء لا المزيد من الأغراض.
المثير أن رمضان والعيد لم يكونا استثناءً، بل بدأا يأخذان حيزًا أيضًا في المتاجر هناك. واليوم أرى النمط نفسه يتكرر لدينا في شتى أنواع المحلات بالخصوص في شهر رمضان. وبدل أن يكون استعدادنا لشهر رمضان بالعبادة، وترتيب الوقت، وإعادة تعريف الأولويات، وربما تجهيز بعض الأكلات، يتسابق التجار في العروض الجذابة وأفكار الدعاية، و تتحوّل الأسابيع السابقة للشهر إلى موجة شراء: زينة مبالغ فيها، وملابس وجلابيات “رمضانية” وكأن الشهر يفرض زيًا محددًا، وأوانٍ من كل صنف وتجهيزات مطبخية وكأن موائدنا لا تكتمل إلا بها، ثم سلال النغصات والهدايا، والناصفة أو القريقعان الذي صار عند كثيرين مناسبة لالتقاط الصور وتبادل الهدايا أكثر من كونه عادة دينية واجتماعية بسيطة.
المشكلة ليست في الفرح ولا في التزيّن ولا في الهدايا؛ المشكلة حين تُدار علاقتنا بالشهر من بوابة الاستهلاك، فنقع في فخ تسليع رمضان، أو يصبح إسلامنا “سوقيًا” على حد تعبير باتريك هايني، وحين تُقاس “رمضانية” البيت بكثرة المشتريات لا بحضور النية والتوجه الروحي. رمضان ليس موسم تسوّق، ولا ساحة تفاخر، ولا سباق موائد. إنه شهر عبادة وتوبة، والفائز من خرج منه بقلب أخف، لا بعربة أثقل ومقتنيات أكثر.
